عبد الملك الجويني
74
نهاية المطلب في دراية المذهب
معنى الدقيق ؛ فيمتنع بيع بعضهِ بالبعض ، ويمتنع بيعُه بالبُرِّ . وقد يعترض فيما ( 1 ) ذكرناه علةٌ أخرى مع ما ذكرناه ؛ فإن الخبز في معنى المختلِط ؛ إذ فيه ماء وملح . وسنذكر بعد ذلك إن شاء اللهُ تعالى منعَ بيع المختلط بمثلهِ . فهذا قاعدةُ المذهب ، وسنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الفصل نصوصاً غريبة في ذلك . فإن قيل : الحنطة المسوسة إذا قربت من العفونة ، فما القول فيها ؟ قلنا : ظاهر قول الأئمة جواز بيع بعضها بالبعض ، وإن أمكن أن يقال فيها : إنها زايلت كمالَها ، وهي أقرب إلى العفن من الدقيق . وإنما راعَوْا في هذا النظرَ إلى طرد القول في الجنس ، ولا وجهَ غيرُه ؛ فإنا لو ذكرنا غيرَ ذلك ، لعَسُرَ النظرُ في تفصيل الحنطة ، التي تمادى زمانُ احتكارِها . وهذا مما يعسرُ تتبعه . ولعل هذا قبل أن تتآكل ، فأما إذا تآكلت ، وخلت أجوافُها ، ففيها نظرٌ عندنا ؛ فإن الأئمةَ أطلقوا بيع المسوسة بالمسوّسة ، والمسوسة هي التي بدأ التآكل فيها ، والقياس القطعُ بالمنع ؛ إذ الحنطة المقليّة لا يباع بعضها ببعض ، لما فيها من التجافي الحاصل بالقلي ، فكذلك لا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة والجافَّة ، لما ذكرناه في المقليّة ، ولو بُلت الحنطة ونُحّي منها قشرتُها بالدّق والتهريس ، وهي الكَشْك ( 2 ) - قال الأئمةُ : هي كالدقيق ؛ فإنها تفسد على القرب ، ويتفاوت ما يزايلها من القشر ، ولو بُلَّتْ ثم جُفّفت ولم تُهرَّسْ ، فإنها تتشَنج في جفافِها على تفاوت يُفضي إلى جهلٍ بالمماثلةِ قبل البلّ ، فإن كان كذلك ، فالوجه المنع . وفي الجاوَرْس ( 3 ) إذا نُحّيت منه القشرةُ احتمالٌ عندي ، ولا شك في [ جواز ] ( 4 ) بيع الرّز بالرّز المنقَّى عن قشرته . فتأَملوا هذه المراتبَ .
--> ( 1 ) في ( ه 2 ) : في بعض ما ذكرناه . ( 2 ) الكشك : وزان فَلْس : ما يعمل من الحنطة ( مصباح ) . ( 3 ) الجاوَرس : بفتح الواو ، حب يشبه الذرة ، وهو أصغر منها . ( مصباح ) . ( 4 ) مزيدة من ( ه 2 ) .